التخطي إلى المحتوى

انتهت مؤخراً عمليات إخلاء النقاط العسكرية التركية المتمركزة في منطقة “خفض التصعيد” التي سيطر عليها النظام في محيط إدلب، وذلك بعد أن أنهت النقطة المتمركزة على الطريق الدولي حلب – دمشق M5 الواقعة جنوبي مفرق الدوير وشمالي مدينة سراقب، انسحابها نحو مناطق سيطرة المعارضة جنوبي إدلب.

المعلومات حول الانتهاء من عمليات الإخلاء التي بدأها في تشرين الأول من العام 2020 أكدتها مواقع إعلامية موالية للنظام وأخرى تابعة للمعارضة، ومصادر عسكرية معارضة، في حين لم يصدر حتى الآن أي اعلان رسمي من يؤكد استكمال عمليات الإخلاء.

على أية حال تؤسس نهاية مرحلة عمليات إخلاء النقاط التي استمرت لأكثر من ثلاثة أشهر لمرحلة جديدة في إدلب والتي يثار حولها كثير من التساؤلات والتكهنات، والسؤال البارز دوماً، هل سيتم الحفاظ على الهدوء النسبي في جبهات القتال أو الحد الأدنى من “خفض التصعيد”؟ وهذا التوجه تدعمه الفصائل المعارضة وتركيا، بينما يصعب التكهن حول نوايا النظام وحلفائه. فهل ستدفع روسيا في اتجاه تثبيت الوضع الميداني الحالي أم نحو التصعيد؟

الميل نحو خفض التصعيد

يشير الأداء العسكري للفصائل المعارضة وهيئة تحرير الشام في إدلب إلى رغبتها في الحفاظ على حالة اللا حرب مع قوات النظام والميليشيات الموالية لها، أو على الأقل منع انزلاق الميدان العسكري نحو عمليات ومواجهات عسكرية كبيرة، وبدا ذلك واضحاً في شكل الرد على خرق اتفاق وقف إطلاق النار من قبل قوات النظام وبشكل شبه يومي، ولم يختلف رد الفصائل كثيراً عندما تعرضت لضربتين موجعتين في 10 تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، و11 كانون الثاني/يناير الحالي.
واقتصرت عمليات الرد على القصف البعيد بالأسلحة الثقيلة، وعمليات القنص التي تستهدف الأفراد، في حين غابت العمليات الهجومية النوعية وتكتيكات الإغارة التي تستهدف مجموعات ومحاور، وبدت التنظيمات المتطرفة خلال الفترة ذاتها مكبلة وممنوع عليها تنفيذ أي عملية لا ترضي “غرفة عمليات الفتح المبين” التي تجمع تحرير الشام بالفصائل.

الصحفي ماجد عبد النور، قال لموقع تلفزيون سوريا، إن “المرحلة الجديدة في إدلب لن تشهد تغيرات عسكرية كبيرة، ويبدو أن كلا الطرفين لا يرغب في التصعيد، وبالتالي سنشهد خلال هذه المرحلة استمرار عمليات الانتشار التي ينفذها في مناطق العمليات المهددة والتي سيكون لها الأثر الفاعل في تثبيت خريـطة السيطرة والحفاظ على خفض التصعيد، على الأقل خلال الأشهر القليلة القادمة”.

إخلاء النقاط يرسم الخرائط

بدت موافقة الجيش التركي على سحب نقاطه من داخل مناطق سيطرة النظام محاولة لإرضاء روسيا وللحفاظ على التهدئة، وتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، لكن يراها فريق من المعارضة خطوة تكتيكية تهدف بالدرجة الأولى إلى تحرير خيارات الجيش التركي في إدلب، وبالتالي سنكون أمام مرحلة جديدة يكون فيها الأداء العسكري أكثر صرامة في التعامل مع الخروقات التي تستهدف خريطة السيطرة.

وفي هذا السياق قال الصحفي فراس علاوي، إن “انسحاب النقاط التركية يأتي ليعزز مسألة رسم خرائط النفوذ التركية والروسية، ولا أعتقد أننا نتجه نحو التصعيد في إدلب، أي أن سمات المرحلة القادمة هي الهدوء وخفض توتر”، وأضاف علاوي لموقع تلفزيون سوريا، “ربما سنشهد عمليات موضعية ومؤقتة في مواقع معينة من أجل ضمان النفوذ الروسي، وفي حال أي خلاف روسي تركي سنشهد تحركات عسكرية لكنها لن تصل إلى صدام ومواجهات واسعة، وهذا النوع من الصدامات يهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية والعودة إلى طاولة المفاوضات”.

خريطة القواعد والنقاط التركية في سورية-01_0.jpg

ويرى الناشط السياسي محمد أديب، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن “إخلاء النقاط التركية من مناطق النظام جاء نتيجة لتغير الظروف ولم يكن يعبر عن تغير في التوجه التركي، أي أن أهمية إدلب بالنسبة لتركيا لن تتغير خلال المرحلة القادمة، واستمرار تدفق القوات التركية إلى إدلب دليل عملي على صحة الفرضية، بل سيكون الموقف التركي في الميدان خلال هذه المرحلة أكثر قوة وبالتالي سنرى أداء مختلفاً للرد على أي محاولة تهدف إلى قضم المزيد من الجغرافيا المحررة”.

من جهته، قال نائب المسؤول السياسي في “لواء السلام” التابع للجيش الوطني، هشام سكيف، لموقع تلفزيون سوريا، إن “الانتهاء من عمليات إخلاء النقاط التركية وإعادة تموضعها في المناطق الحساسة في منطقة العمليات وفي كامل خط المواجهة مع العدو سيتيح للقوى العسكرية حرية أكبر في التعامل مع الخروقات، كما سنشهد أداء مختلفاً للجيش التركي والذي نفذ أكبر عملية انتشار في المناطق المحررة شمال غربي سوريا”.

جدار عسكري يرفع كلفة أي معركة على إدلب

يرى فريق من المعارضة أن عمليات الانتشار العسكري (الخط الدفاعي) في مناطق المعارضة في إدلب والتي نفذها الجيش التركي بالتوازي مع عمليات إخلاء نقاطه من مناطق النظام، ستدعم الاستقرار خلال المرحلة القادمة، وسيكون لدى مزيد من الوقت لترتب أمور المنظومة العسكرية للمعارضة، وحل مسألة المجموعات والتنظيمات المسلحة الإشكالية، وسينعكس الاستقرار المفترض خلال المرحلة ذاتها على الواقع المعيشي للسوريين في إدلب والذي سيكون على قائمة أولويات تركيا.

وأشار المحلل العسكري، النقيب عبد السلام عبد الرزاق إلى أن “نهاية عمليات إخلاء النقاط التركية يقابله واقع ميداني وعسكري جديد في إدلب، فعمليات الانتشار شكلت خطاً دفاعياً يكفل إلى حد بعيد الحفاظ على الحالة الراهنة للجبهات، ويعزز المساعي التركية في حل القضايا العالقة ويمنحها مزيدا من الوقت والخيارات”.

وقال نائب عميد كلية العلوم السياسية في جامعة الشام، الدكتور عبادة التامر، أنه “وبحسب النظرية الواقعية في العلاقات الدولية، فإن الدول عموما لا تعتمد في أمنها وتحقيق مصالحها على دول أخرى، بمعنى أن ضمان المصالح والأمن يعتمد على مستوى القوة المخصصة لهذه الأهداف، إذاً، الحشد العسكري وتعزيز القوة التركية وتدريب الفصائل وتنظيمها من جديد بما ينتج عناصر قوة واضحة، هي الملامح العامة للمرحلة القادمة”.

وأضاف الدكتور التامر، لموقع تلفزيون سوريا، أن “ما سيحدث في الشمال الغربي من سوريا يرتبط إلى حد كبير بما ستستطيع روسيا فعله في البادية؛ فإن استطاعت تأمين البادية فقد تؤجل العمل العسكري تجاه الشمال الغربي، وإن فشلت فقد تلجأ لتحقيق نصر مزعوم هنا”. وأشار الدكتور التامر إلى أن “التحركات التركية والخط الدفاعي العسكري قد تكون مؤشرا على عدم الثقة بالطرف الروسي أو بأطراف أخرى داخل المعادلة السورية وبالتالي لضمان تنفيذ التهدئة يجب تعزيز القوة؛ هذا من جهة ومن جهة أخرى قد توحي التعزيزات العسكرية بعدم وجود توافق وبالتالي فقد يكون ذلك مؤشرا على تجدد المعارك سواء بدأ بها هذا الطرف أو ذاك”

المحاضر في العلوم السياسية، محمد البقاعي، قال لموقع “تلفزيون سوريا”، إن “ شكلت ما يشبه الستار العسكري الحديدي القادر على رفع كلفة اي عملية عسكرية متوقعة من قبل النظام وبمساندة روسية، وهناك معلومات بأن القوات التركية أصبح تعدادها في إدلب أكثر من 20 ألف مقاتل مجهزين بأسلحة متطورة، كل هذه العوامل تجعل من ميزان القوى يفرض نفسه على الأرض، أبرز ملامح هذا الميزان أن كلفة أي تحرك عسكري معادٍ ستكون عالية، وأي محاولة للنظام ستكون كمحاولة للانتحار، وذلك عل الرغم من أن النظام يرغب بها على مبدأ الهروب من الأزمات التي يعيشها، كما أن ستسعى إلى معالجة بعض القضايا الخلافية من بينها تسوية وضع المجموعات المصنفة بأنها إرهابية، كما أنها ستعمل على تحسين الواقع المعيشي للسكان في تلك المنطقة”.

المصدر: تلفزيون سوريا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.