التخطي إلى المحتوى

بدأت ببناء جيش عرمرم بها .. تركيا تدخل الدولة الحليفة النفطية الكبيرة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول من عام 2020، اصطف أكثر من مئتي صومالي على أرض مركز التدريب العسكري التركي في العاصمة الصومالية مقديشو، ومن خلفهم علم بلادهم والعلم التركي، يؤدّون القسم العسكري باللغة المحلية، بينما تُحيط بهم أسلحة تركية حديثة. كان هؤلاء هم الملتحقين بالعام الدراسي الجديد 2020-2021 في ثكنة “الأناضول” العسكرية، وهم الدفعة الخامسة من قوات فرقة المشاة الصومالية التي ستتخرج في هذا المركز.

اليوم، تُعَدُّ الدولة الواقعة في شرق أفريقيا، بموقعها الجغرافي الإستراتيجي واحتياطاتها النفطية الكبيرة، مكانا توسّعت فيه أنشطة أنقرة من تقديم المساعدات الإنسانية إلى الاستثمار الاقتصادي وصولا إلى التعاون العسكري بغية لعب دور مؤثر إقليميا من خلال الوجود في نقاط جيوسياسية مهمة في الشرق الأوسط، لكن نفوذ الأتراك المتزايد في أفريقيا، وفي الصومال تحديدا، وضع أمامها تحديات عدة، ليس أقلها المعاداة الصريحة لحركة “الشباب” المسلحة تجاه مصالحها، فيما يُعَدُّ أخطر تلك التحديات هو تشكيل حلف مصري سوداني إسرائيلي يهدف لتقويض ذلك النفوذ، وفي التقرير التالي سنتناول مراحل تطور العلاقات التركية الصومالية، وصولا إلى التحديات التي يواجهها وجود أنقرة في إحدى أهم دول القرن الأفريقي.

سعت أنقرة لتعزيز نفوذها في القرن الأفريقي وفي الصومال خاصة منذ إطلاقها على عام 2005 عام “الانفتاح على أفريقيا”، عامٌ عُدَّ نقطة الانطلاق الكبرى نحو تعزيز الوجود الدبلوماسي والتجاري التركي في القارة السمراء، وبالأخص في الصومال التي نظرت إليها أنقرة بوصفها مركزا جيوسياسيا رئيسا يربط بين الخليج وأفريقيا بنقاط إستراتيجية أهمها باب المندب، وبوصفها بلادا تمتلك موارد غنية يمكن الاستثمار فيها وتنميتها.

تاريخيا، بدأت العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين في عام 1979 بافتتاح سفارتين صومالية وتركية في كلا البلدين، ثم شكّلت أوائل التسعينيات انطلاقة عندما قاد جنرال النجوم الثلاثة التركي “جيفيك بير” بعثة سلام تابعة للأمم المتحدة في الصومال ما بين عامَيْ 1993-1994، لكن العام المحوري في العلاقة بينهما كان عام 2011، فبينما كان الصوماليون في أوج المعاناة من المجاعة (كان أكثر من 3.2 ملايين شخص بحاجة إلى إغاثة غذائية عاجلة وقتها)؛ قام الرئيس التركي رجب طيب بزيارة رسمية لبلادهم المنهكة وقتها من الحرب الأهلية أيضا، وقد حملت زيارة أردوغان في شهر أغسطس/آب من العام المذكور دفعة تركية للصوماليين عن طريق تقديم مساعدات إنسانية ضخمة وإقامة مشاريع تنموية واسعة كبناء المدارس وتقديم المنح الدراسية وتجديد المباني الحكومية المهدمة إثر الحرب الأهلية.

أردوغان في الصومال
أردوغان في الصومال

تعكس قيمة المبالغ التي ضخّتها أنقرة في الصومال بوصفها مساعدات مدى الاهتمام التركي بها، إذ خصّص الأتراك منذ عام 2011 وحتى عام 2016 قرابة 400 مليون دولار من المساعدات وفقا للأرقام الحكومية، فيما نمت التجارة الثنائية بينهما من 6 ملايين دولار عام 2010 إلى 72 مليون دولار عام 2015، كما تُقدِّم أنقرة 4.5 ملايين دولار شهريا دعما مباشرا لميزانية الدولة، وفي أوائل نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم قامت تركيا بضمان جزء من ديون الصومال لصندوق النقد الدولي عن طريق تعهُّدها بضخ 2.4 مليون من أصول السحب الخاصة بها في البنك “يمكن اعتبار الأسهم الخاصة هي عُملة صندوق النقد”، ويعني ذلك بشكل أوضح أن ديون الصومال للصندوق ستخفض من رقم وصل إلى 5.2 مليارات دولار بنهاية 2018 إلى 3.7 مليارات دولار حاليا، ما يعني تخفيف أعباء الديون بشكل ليس بالقليل، ومن ثم قدرة أكبر على النمو الاقتصادي.

بعد سنوات من المساعدات الإنسانية والدعم المباشر وجدت أنقرة أنه يمكن الجمع بين ذلك وبين دخول الشركات التركية لعالم البنية التحتية الصومالي الثري بالفرص، وقد وجد الصوماليون التعامل مع الأتراك بوصفهم مستثمرين أقل تقييدا وشروطا من التعامل مع المانحين التقليديين كبعض الدول الغربية وصندوق النقد الدولي، وعلى إثر ذلك فاز الأتراك بالعديد من مشاريع البنية التحتية في مقديشو، حيث تُدير الشركات التركية بعض موانئ الصومال البحرية والمطارات الرئيسة، وأصبحت الخطوط الجوية التركية أول شركة طيران دولية تصل برحلاتها مباشرة إلى العاصمة الصومالية.

لكن الأهم أن تلك الثقة دفعت الجانبين نحو مشاريع أكثر حيوية، كبناء قاعدة عسكرية بغية تدريب جنود الحكومة الصومالية عام 2017، أو استلام الشركة التركية ” Favori LLC” إدارة مطار آدم عدي الدولي بمقديشو، وهو المطار الرئيس للصومال، بعد أزمة الأخيرة مع الإمارات التي أدارت هذا المطار من قبل. وبشكل عام، فقد كان عام 2017 نقطة تحوُّل مهمة في علاقة أنقرة بالصومال بعد وقوع أزمة الخليج وحصار قطر، مما وضع الصومال البلد غير المستقر في بؤرة الخلاف، فاتهمته الإمارات بالانحياز إلى قطر، واتجهت على إثر ذلك لدعم الانفصاليين في أرض الصومال (صوماليلاند)، فضلا عن كون جمهورية الصومال محل طمع من قِبَل الطامحين الإقليميين كأي بلد يمتلك موقعا إستراتيجيا على طول مضيق باب المندب.

قاعدة عسكرية تركية في الصومال
قاعدة عسكرية تركية في الصومال

تمكّنت أنقرة التي تمتلك خبرة جيدة في التدريب العسكري من التعاون مع بعض دول القارة الأفريقية في هذا المجال، وقد كانت الصومال واحدة من أهم تلك الدول. فمن جهة، كانت الصومال وما زالت بحاجة إلى تكوين جيش صومالي قوي موحَّد، ومن جهة ظلّت أنقرة بحاجة إلى تحقيق توازن بين قدرات القوة الناعمة والقوة الصلبة لها في الصومال، لضمان وجود شبكة صلبة تؤمِّن لها دورا طويل الأجل هناك، وكما يعتقد إبراهيم ناصر، الباحث بمركز أنقرة لدراسة السياسات والنزاعات “أنكاسام” في حديثه لـ “ميدان”، فإن أنقرة “تحاول من خلالها تدريب وتقوية ثغرات الجيش الصومالي الأمنية أن يكون لها تأثير على القرار الصومالي الداخلي”.

أما عن المحطة الأبرز لأنقرة، فقد أتت في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2017، حين افتتحت أكبر قاعدة تدريب عسكري خارج أراضيها، وعلى مساحة 4 كيلومترات مربعة، ضخّت أنقرة فيها 50 مليون دولار لبناء تلك القاعدة في مقديشو، ومن ثم صار “معسكر تركسوم” مكانا مهما في السنوات الماضية يخضع فيه العسكريون الصوماليون لتدريبات أساسية قرابة ثلاثة أشهر، ثم يُنقَلوا جوًّا إلى مركز الكوماندوز بولاية إسبارطة (غربي تركيا)، الذي يُعتَبر من أهم المراكز التركية لتخريج الوحدات القتالية، وفي المركز يتلقّى المجندون الصوماليون تدريبات إضافية لثلاثة أشهر أخرى، ويخضعون لتدريب على العمليات الخاصة و”مكافحة الإرهاب”، وكذلك حرب المدن وتدريبات الكوماندوز بالجيش التركي، ومع انتهاء البرنامج التدريبي يعود المتدربون إلى صفوف الجيش الصومالي لإنجاز مهامهم العسكرية، ومع حلول أغسطس/آب الماضي كانت القاعدة التركية قد دربت قرابة 15 إلى 16 ألف جندي صومالي، أي ثلث الجيش الصومالي تقريبا، حيث تستمر التدريبات حتى الآن مع مراعاة الحذر والوقاية بسبب انتشار فيروس “كوفيد-19” المستجد.

وفق ما سبق، وبمجرد إلقاء نظرة فاحصة على الجهود التدريبية العسكرية التركية، يتضح أن الضباط الصوماليين يتلقون التدريب باللغة التركية، وذلك بعد خضوعهم لدورة مكثفة في اللغة، ويقسمون بهذه اللغة اليمين العسكري بجانب لغتهم الأم، ويحتفلون بتخرّجهم في المعسكر التدريبي بطريقة احتفال القوات المسلحة التركية نفسها، فيُردِّدون النشيد التقليدي للأكاديمية العسكرية التركية، ويُحيِّون في حفلهم هذا ذكرى الجنود الذين سقطوا في حملة جاليبولي (جناق قلعة) الدفاعية ضد بريطانيا، التي تعتبر علامة فارقة في التاريخ العسكري التركي، حين أراد تحالف رباعي من “بريطانيا – أستراليا – نيوزيلندا – فرنسا” احتلال إسطنبول في معركة دامية، لكنه باء بالفشل مقابل انتصار عثماني كبير، وكانت نقطة انطلاق رئيسة لحرب الاستقلال وإعلان الجمهورية التركية فيما بعد.

وبالإضافة إلى تدريب الجنود الصوماليين، تدعم أنقرة الترسانة الصومالية بالأسلحة التكتيكية، حيث يستخدم الجيش الصومالي بنادق الجيش التركي “MPT-76” الهجومية. ففي أغسطس/آب من العام الماضي، حصلت الصومال على 12 مركبة قتالية مقاومة للألغام ومضادة للكمائن من طراز “BMC Kirpi” من أنقرة، وكما جاء في تقرير مؤسسة “جميس تاون” لتحليل السياسات الإستراتيجية للدول، فإن أنقرة استخدمت في الصومال “إستراتيجية عسكرية خارجية متميزة لا مثيل لها في أي مكان آخر في القارة. فقط في الصومال تتخذ تركيا قواعد متقدمة، والأهم من ذلك تُخرِّج جيلا جديدا من المتدربين وتبني هوية عسكرية اجتماعية جديدة تهدف إلى تشكيل مستقبل الصومال”، ويضيف التقرير أن الأتراك باختصار يدربون جنود المستقبل الصوماليين باللغة التركية متوقعة منهم أن يساهموا في نهاية المطاف في فرض واقع جيوسياسي جديد في القرن الأفريقي.

لم تخرج الصومال عن دائرة الاضطرابات السياسية التي تخص النظام التركي أيضا، فبعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو/تموز 2016 كانت الصومال أول دولة تُنهي أنشطة خصم الرئيس التركي فتح الله غولن المتهم بتدبير الانقلاب، كما قلّصت أنقرة أنشطة جمع تبرعات لمؤسسات خيرية تعتقد أنها على علاقة بغولن في الأراضي الصومالية.

وعلى الرغم من أن محاولة الانقلاب لم تمنع تركيا من الاستمرار في زيادة الاستثمار في الصومال، فإن المعضلة الأخطر بالنسبة للوجود التركي هناك تظل مُتمثِّلة في كلٍّ من “تنظيم القاعدة”، و”حركة شباب المجاهدين” الصومالية المعارضة للوجود التركي المعروفة اختصارا بـ “حركة الشباب”، وهي حركة تحتفظ بروابط وثيقة مع القاعدة، وسبق أن أعلنت ولاءها للتنظيم العالمي ضد “تنظيم الدولة” حينما كان نشطا، وهدفها المُعلَن هو إقامة “نمط حكم إسلامي” على الأراضي الصومالية.

وقد نظرت “الشباب” بالأخص إلى الحكومة التركية، العضو في حلف الناتو الذي كان يدعم العمليات الغربية ضد الحركات المسلحة، على أنها “عدو للصومال”، ثم سرعان ما استفزها الدعم العسكري والأمني الذي منحته أنقرة للحكومة الصومالية، الذي يهدف إلى جعلها قوية عسكريا وأمنيا، ما يُمثِّل تهديدا إستراتيجيا كبيرا للحركة جعلها تَعتبر تركيا الهدف الأول لها في عملياتها الهجومية المسلحة المتواصلة ضد المصالح التركية.

وفيما يُحقِّق الصومال بالفعل مكاسب ضد الحركة، ويستعيد أراضي كانت تحت سيطرتها بفضل جهود تركيا والولايات المتحدة وقوات الاتحاد الأفريقي، وهي الجهات التي تدعم الجيش الصومالي رسميا، فإن اعتداءات الحركة استهدفت المصالح التركية منذ سنوات وحتى الآن. ففي عام 2013 تعرّضت دار ضيافة تركية في مقديشو لهجوم مسلح، فيما أتت حادثة أخرى قُتل فيها مهندس تركي في مايو/أيار عام 2019 بزرع عبوات ناسفة في سيارته، بينما في يونيو/حزيران الفائت، وعلى بُعد 200 متر فقط من معسكر تركسوم، فجّر انتحاري من الحركة نفسه بعدما انتحل صفة مجند محاولا أن يستهدف العسكريين الأتراك الذين يُدرِّبون المجندين.

لا يقتصر أمر تهديد النفوذ التركي في الأراضي الصومالية على اللاعب المحلي المسلح الأكبر “الشباب”، وإنما يمتد لقوى إقليمية أيضا، فقد أفادت صحيفة “يني شفق” المقربة من الحكومة التركية في 14 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أن مسؤولين عسكريين من مصر والسودان وإسرائيل سيلتقون لتشكيل لوبي لمواجهة النفوذ التركي في البحر الأحمر وخاصة في الصومال، وقد جاء ذلك بطلب مصر التي سبق أن افتتحت قاعدة برنيس العسكرية جنوب البحر الأحمر لمواجهة التهديدات والطموحات التركية في المنطقة، وعلى الأرجح فإن القاهرة قد وجدت الآن فرصة للاستفادة من التطبيع السوداني الحديث مع إسرائيل، خاصة أن الأخيرة معنية بمواجهة التهديدات التركية الإيرانية في البحر الأحمر أيضا.

في هذا السياق، يعتقد “ناصر” في حديثه لـ “ميدان” أن تركيا التي حرصت على الوجود في السودان (عن طريق جزيرة سواكن قبل أن يتعرّض وجودها لضربة لم تتعافَ منها للآن بعد الإطاحة بالرئيس السوداني السابق عمر البشير، وغموض موقف المجلس العسكري الحالي من الاتفاقية)، ورسمت آمالا وخططا مهمة في عملية الوجود في ميناء سواكن بغية خلق فرصة لتأمين شريط البحر الأحمر من الجنوب والوسط؛ تستفز بتحرُّكاتها في الصومال الدول المنافسة لها وهي مصر وإسرائيل والإمارات، فبالإضافة إلى أن تركيا تحاول ملء فراغ أحدثته قوى إقليمية ودولية في الدولة الصومالية، وتعمل على إثبات أنها دولة ذات مصداقية ويُعتمد عليها بالتحالفات كما حدث في ليبيا وفي الصراع الأذري الأرمني، فإن لها أهدافا اقتصادية أيضا من تعزيز علاقتها مع مقديشو، مضيفا في حديثه الخاص لموقع “ميدان“: “بدأت أنقرة باكتشاف الغاز والبترول في المنطقة المُتنازَع حولها في المحيط الهندي، وهناك اكتشافات ربما تعطي الميزة التنقيبية إلى تركيا بحكم أنها قامت أو لعبت دورا كبيرا في تأمين وتقوية الجيش الصومالي من خلال القاعدة التي أنشأتها عام 2017”.

وفيما يتعلّق بقدرة الحلف الثلاثي المذكور في التأثير على النفوذ التركي في الصومال، يقول ناصر لـ “ميدان“: “بعدما جُمدت العلاقات السودانية التركية، نلاحظ أن الحلف الثلاثي (مصر وإسرائيل والسودان) يتحرّكون معا للتأثير على الوجود التركي في الصومال، الدولة الهشة التي يمكن التأثير على أمنها واستقرارها من خلال تقوية بعض العناصر المتمردة ضد الحكومة المركزية، وبذلك يمكن تقويض الوجود التركي في الصومال”، واستدرك أن نجاح هذه المحاولة مرهون بمدى قوة التحالف، ويرى ناصر أن تلك القوة ما زالت في مرحلة التشكُّل، وإلى أن يحدث ذلك فإن أنقرة ربما تُحدِث اختراقات أعمق تقوّي وجودها في الصومال ودول القرن الأفريقي أكثر”.

في نهاية المطاف، ستبقى الصومال بلدا فريدا ​​من نوعه في حسابات تركيا الإستراتيجية في القارة السمراء، ويبدو أن الأتراك غير مستعدين بأي شكل للانسحاب من هذا البلد تحت أي ضغط، حيث لن تقتصر السياسة التركية هناك على إقامة قواعد عسكرية أمامية فحسب، بل ستمتد أيضا لاستثمار في الموارد الطبيعية في بلد بالغ الأهمية بمنطقته، وهما العنصران (القواعد العسكرية والموارد الطبيعية) اللذان سيجعلان مهمة انتزاع تركيا من الأراضي الصومالية على أي خصم محلي أو إقليمي في غاية الصعوبة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.